عندما يدس السم في العسل
خطورة تلميع الشخصيات تحت شعارات براقة: عندما يُقدَّم السم في العسل
في عالم الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الأفكار تُطرح دائماً بشكلها المباشر والصريح، بل أصبحت في كثير من الأحيان تُقدَّم عبر شخصيات مؤثرة يتم تلميعها وتسويقها بعناية، حتى تتحول إلى مرجعيات فكرية أو ثقافية أو اجتماعية لدى شريحة واسعة من الناس.
وتكمن الخطورة عندما لا يكون التركيز على الفكرة بقدر ما يكون على صناعة الهالة حول الشخص، بحيث يصبح المتابع معجباً بالشخصية قبل أن يفحص الأفكار التي تطرحها. وهنا تبدأ عملية تمرير الرسائل والأجندات تحت عناوين جذابة مثل: التنمية البشرية، الإصلاح، الوعي، الثقافة، الحرية، التغيير، النهضة، أو غيرها من المصطلحات التي تبدو إيجابية في ظاهرها.
إن بعض التيارات الفكرية أو السياسية أو الأيديولوجية ـ بما فيها بعض تيارات الإسلام السياسي أو غيرها من الحركات ذات الأهداف التنظيمية ـ قد تلجأ إلى بناء رموز إعلامية وشخصيات مؤثرة يتم تقديمها للجمهور بصورة جذابة ومؤثرة، بينما تحمل في طيات خطابها رسائل تتجاوز ما يظهر على السطح.
ولذلك فإن الوعي الحقيقي لا يتمثل في رفض الأشخاص أو قبولهم بناءً على شهرتهم أو عدد متابعيهم، وإنما في فحص الأفكار نفسها وفق مجموعة من المعايير، منها:
- مدى انسجام الطرح مع الثوابت الوطنية والمجتمعية.
- احترام القوانين والمؤسسات الرسمية.
- وضوح مصادر المعرفة والاستدلال.
- الاتساق بين الخطاب والممارسة.
- الابتعاد عن خطاب الاستقطاب والانقسام.
- تعزيز قيم البناء والعمل والإنتاج بدلاً من صناعة الصراع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في العصر الرقمي هو أن تتحول الشهرة إلى بديل عن الحقيقة، وأن يصبح التأثير الإعلامي بديلاً عن التحقق والتفكير النقدي.
ولهذا فإن مسؤولية الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والجهات الإعلامية، وصناع المحتوى الواعين، تكمن في تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، وعدم الانجراف خلف أي شخصية أو خطاب لمجرد أنه يقدم نفسه بصورة جذابة أو يحقق انتشاراً واسعاً.
فليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل من يمتلك منصة كبيرة يمتلك بالضرورة رؤية صحيحة أو مشروعاً يخدم المجتمع.
الخلاصة: الأفكار لا تُقاس بجاذبية أصحابها، بل بآثارها ونتائجها على الأفراد والمجتمعات والأوطان. والوعي الحقيقي يبدأ عندما نتعلم أن ننظر إلى المضمون قبل أن ننبهر بالشكل.
بقلم: الاستشاري ناصر محمد الأسد
#ماركتي_في_دولتي #الوعي_الرقمي #التفكير_النقدي #صناعة_التأثير #الأمن_الفكري #ناصر_محمد_الأسد