ولا يتوقف التأثير عند عدد المشاريع، بل يمتد إلى عمق المساهمة في الاقتصاد الوطني؛ إذ تسهم الشركات التي تقودها النساء بأكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة وفق تقديرات جهات معنية بالتوازن بين الجنسين ، كما يوجد ما يزيد على 25 ألف شركة تقودها سيدات أعمال في الإمارات ، بينما تشير بيانات أخرى إلى أن النساء يمثلن قرابة 50% من قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة في بعض الإمارات ، وهو ما يعكس تحولًا بنيويًا في خريطة الملكية الاقتصادية واتساع دور المرأة في الاقتصاد الريادي.
ويُلاحظ أن هذا الحضور يرتبط بخصائص ديموغرافية ومعرفية جديدة؛ فحوالي 77% من الشركات النسائية تُدار من قبل سيدات دون سن الأربعين ، ما يدل على أن ريادة الأعمال النسائية في الإمارات ليست ظاهرة تقليدية، بل نتاج جيل رقمي نشأ في بيئة تعليمية متقدمة وفرص تمكين مؤسسية، حيث ارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى نحو 34.6% عام 2024 ، وهو ما وفّر قاعدة خبرات مهنية تتحول لاحقًا إلى مشاريع خاصة.
ومن زاوية ثقافة المبادرة، تكشف الدراسات أن 84% من النساء في الإمارات يفكرن في تأسيس أعمالهن الخاصة ، بل إن نسبًا متقاربة من الرجال والنساء باتت تعرّف نفسها بأنها منخرطة في النشاط الريادي، بما يعكس بيئة اجتماعية تشجّع المبادرة الفردية ؛ كما تُظهر التقارير أن 98% من صاحبات الأعمال يتوقعن نمو إيرادات مشاريعهن خلال السنوات الخمس القادمة ، وهو مؤشر ثقة يعكس استقرار البيئة التشريعية وتوافر الحاضنات والدعم المؤسسي.
وتتوزع استثمارات سيدات الأعمال على قطاعات تقليدية وحديثة في آنٍ واحد؛ فبينما لا تزال مجالات مثل الأغذية والمشروبات والتجارة الإلكترونية والتجميل حاضرة بقوة، إذ تستحوذ على نسب ملحوظة من المشاريع النسائية، تتوسع السيدات بشكل متزايد نحو مجالات المستقبل مثل التكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، والرعاية الصحية الرقمية ، بما يتماشى مع توجه الدولة نحو الاقتصاد المعرفي والابتكار.
غير أن التحليل العلمي لظاهرة ريادة الأعمال النسائية لا يكتمل دون الربط بينها وبين مفهوم “الماركة الشخصية”، إذ تشير الأدبيات البحثية إلى أن الاقتصادات القائمة على المعرفة تعتمد على تحويل الخبرة الفردية والهوية المهنية إلى قيمة سوقية قابلة للتوسع، حيث يسهم تحليل البيانات وفهم السلوك الريادي في دعم اتخاذ القرار وبناء نماذج أعمال أكثر استدامة . وفي هذا السياق، تصبح الماركة الشخصية لسيدة الأعمال أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن رأس المال المالي، لأنها تمثل مصدر الثقة، وتُسرّع بناء الشبكات المهنية، وتعزز القدرة على جذب الشراكات والاستثمارات، خصوصًا في بيئة تنافسية تعتمد على السمعة الرقمية والحضور المعرفي.
وتؤكد التجربة الإماراتية أن تمكين المرأة اقتصاديًا يرتبط بسياسات وطنية أوسع لتعزيز التوازن بين الجنسين وزيادة مشاركة النساء في مواقع القيادة، وهو ما انعكس في تحسن ترتيب الدولة عالميًا في مؤشرات المساواة بين الجنسين وارتفاع تمثيل المرأة في الأدوار القيادية والقطاعات المستقبلية ، الأمر الذي يخلق حلقة تكامل بين التشريع والتمكين والريادة الفردية.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات موضوعية تواجه بعض رائدات الأعمال، أبرزها صعوبة الوصول إلى التمويل، حيث تشير تقارير إلى أن نحو 67% من النساء يعتبرن التمويل التحدي الأكبر عند بدء المشاريع ، إضافة إلى فجوات الثقة أو الحاجة إلى شبكات دعم وإرشاد مهني، وهو ما يستدعي تعزيز منظومات التوجيه وبناء القدرات الريادية المستدامة.
إن قراءة المشهد الكلي تُظهر أن ريادة الأعمال لدى سيدات الأعمال في الإمارات لم تعد مجرد نشاط اقتصادي تكميلي، بل أصبحت ظاهرة تنموية متكاملة تعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والسوق والمجتمع؛ فالمشروع لم يعد كيانًا تجاريًا منفصلًا عن صاحبه، بل امتدادًا لصورته المهنية وقيمه وخبراته، أي أن نجاح المشروع بات مرتبطًا بوضوح الماركة الشخصية لصاحبته وقدرتها على تحويل المعرفة إلى تأثير، والتأثير إلى قيمة اقتصادية، وهو ما يجعل سيدة الأعمال الإماراتية اليوم نموذجًا يجمع بين الريادة الاقتصادية والقيادة المجتمعية وصناعة الأثر المستدام في اقتصاد المستقبل.
⸻
بقلم ناصر الأسد #الماركة_الشخصية #سيدات_الاعمال